لنهر يمكن عبوره مرتين كما أرى.. بقلم/ عبدالسلام عبدالرحمن احمد

النهر يمكن عبوره مرتين
كما أرى..
بقلم/ عبدالسلام عبدالرحمن احمد
=============
العرب يسمونها الكريهة .
يقولون ( ليوم كريهة و سداد ثغر ) .
هى كذلك ..
الحرب .. تزلزل جنبات المجتمع و تفكك اواصره وتفصم عراه ..
في مجملها المطلق حصاد تذروه الرياح .
لكن الناظر لها من جانب اخر يجد فيها (خيرا كثيرا ) و أمر المؤمن كله خير .
في الشدائد تستبين معادن الأخرين و تظهر لك طواياهم ونواياهم ..
فتحت مختلف مدن السودان اذرعها لتحتوي الهاربين من جحيم وويلات الحرب و تقارب الابعدون و تداني القاصى .
التف الجميع ..لا اقول حول جيشهم لكن متدافعين ومدافعين .. التفوا حول وطنهم و قيمهم و عقيدتهم وأرضهم ، متمسكين بحامل الراية اعني القوات المسلحة ..مساندين لها منافحين معها عن كل ما يضير البلاد و العباد ،
في هذا العنت الاجتماعي بانت صفات نبيلة ليست غريبة على هذا الشعب .
حال نزوحي من الخرطوم الى مدني قبل ان يدنسها الاوباش – فك الله اسرها و احسب ان ذلك بات قريبا بإذن الله – كنت ب( موقف المواصلات ) و شاهدت طفلا لم يتجاوز العاشرة من عمره يحمل ( باغة موية ) ينادي علي بضاعته فناديته ودار بيننا حوار لا زال راسخا في ذهني..
( بكم كباية الموية )..
مية جنيه..
ادرت الحوار الى جانب آخر ..
( الباغة دي ما تقيلة عليك)
اجابني
( أتقل منها يا عمي مدت ايدي للناس )..
يا لذلك النقاء ..أهو الاحساس بالمسؤولية تجاه أسرته ..ام مبعث ذلك التنشئة الاجتماعية له .. عرفت منه انه جاء نازحا و يعمل للاسهام في مساعدة عائلته لبلوغ الحد الادنى من العيش الكريم..
نفحته مبلغ الف جنيه وقلت له
( خلي الباقي معاك) ..
ارجع لي مبلغ تسعمائة جنيه قائلا ( لو كنت داير القروش البمدوها دي ما كنت شلت الباغة )..
غرس اجابته لي في قلبي و مضي مناديا علي بضاعته…
اذن هو الوعي بالمبكر براهن الاوضاع ..
انبثقت عطاءات شتى نابعة من ذلك الوعي .. كلها تقول بأن ينبوع الجمال لشعبنا ما زال ثرا ..
انعكس ذلك ايضا علي الاقتصاد المنزلي والشخصى..اصبحت الاسر تدبر امرها بالقليل ..اختفى ذلك البذخ الذي لازمنا طويلا دون مبرر .. و أحسب ان ما بعد الحرب سيكون ديدن الاسر ( الاقتصاد افضل ) بعد أن خبرت امكانية ( حذف ) مفردة البذخ من دفتر ( المعيشة) ..
ينبغى استثمار تلك الاحاسيس و ذلك الالتفاف حول الوطن و حماته اسثمارا يصنع واقعا مغايرا ..لحمته الانتماء و الوطنية الحقة ..و سداه التمسك بأهداب العقيدة و القيم النبيلة ..
بإذن الله هي جذوة لن تخبو و لن ينطفئ نور الحق و الفضيلة..
مياه كثيرة مرت تحت الجسر ..
من قال بإن النهر لا يمكن عبوره مرتين ؟ ..
حفظ الله السودان وأهله ونصر جيشه .
ولنا لقاء ..







