أعمدة رأي

قرية ود أبو قدوم … تأمل أن يكون القادم أفضل

*قرية ود أبو قدوم … تأمل أن يكون القادم أفضل

يقع موطني في قرية صغيرة غرب مدينة المسلمية تُعرف بقرية “ود أبو قدوم”، وهي قرية متناهية الصغر، لكن تاريخها يحمل بطولاتٍ تُحكى؛ فقد قدّم أهلها شهيدَين خلال حرب الكرامة، دافعا عن أرضهما وعشيرتهما ببسالة. وعندما اقتحمت المليشيات المسلحة القرية لنهب ممتلكاتها، استشهد الفتيان برصاص الغدر، بينما كان الأهالي الأعزلون لا يحملون سوى العصي للدفاع عن أنفسهم.
لم تكن ود أبو قدوم وحدها ضحية هذا المصير؛ فهجرتها عائلات بأكملها قسراً كغيرها من قرى ولاية الجزيرة، حيث تشتت الأهالي في المنافي، وفقدوا خلال رحلة النزوح أعزاءهم بسبب المرض والظروف القاسية. ولم يتحمل بعضهم وطأة الإهانة أو مشاهد العنف التي خلّفتها المليشيات في طريقها المزعوم نحو “الديمقراطية”، فسقطوا على الطرقات ضحايا لجشعٍ لا يعرف الرحمة.
ورغم أن المعاناة هنا لم تصل إلى حد ما عاشته قرى أخرى كـ”ود النورة” و”السريحة” التي اجتاحتها مليشيات الدعم السريع، إلا أن أهالي ود أبو قدوم ظلوا يحلمون بحياةٍ بسيطة: ماءٌ يملأ الترع، وجسورٌ صغيرة تسهّل مرور أغنامهم وعربات “الكارو” التي تنقل الأهالي من القرى المجاورة مثل “شاع الدين” و”ودبليه” و”عبد الجليل” إلى سوق المسلمية الأسبوعي. لكن الطرق الترابية التي تغرق في الوحل كل خريف تُذكّرهم بإهمالٍ طال أمده، رغم كون المنطقة قلباً زراعياً يُنتج البصل بكمياتٍ هائلة تُخزَّن بشكلٍ عشوائي يُناقض أهميتة في الاقتصاد الوطني.
أربعون عاماً مرت والأهالي ينتظرون طريقاً معبّداً يربطهم بمدينة المسلمية، التي يعتمدون على مستشفاها الريفي المفتقر لأبسط الإمكانيات. كما يحلمون بتيار كهربائي مستقر، وشبكة اتصالات لا تنقطع، ومركز صحي مجهز، وحتى “علبة إسعافات أولية” قد تنقذ حياة. ولا ينسون حلمهم بإنشاء نادٍ للشباب، ومشغل لتمكين المرأة الريفية، ومصنع لتجفيف البصل الذي يُهدر جزء كبير منه بسبب سوء التخزين.
أما ليلهم، فيُفسده أزيز البعوض رغم حملات “مكافحة الملاريا” التي تنفذها منظمات بسيارات فارهة! وفي النهار، يطمح الأهالي إلى جمعيات تعاونية تحميهم من تقلبات الحياة، وتجنبهم مصير قرى جنوب الجزيرة التي وُوجهت بالاتهامات حين طالبت بحقوقها.
بعد عودتهم إلى القرية، ظل الأهالي ينتظرون ما وُعدوا به من مساعدات إنسانية بعد تحرير مدن مثل “ود مدني” و”الحصاحيصا”، لكنهم وجدوا أنفسهم أمام واقعٍ مرير: فقد سلبتهم المليشيات المتمردة أموالهم ومحاصيلهم ومواشيهم، تاركة إياهم يواجهون الفقر بلا سند.
إن أهالي ود أبو قدوم هم جزء من نسيج ولاية الجزيرة التي أنهكها الفساد والعنف. جراحهم لا تزال تنزف، وابتسامة أطفالهم تختفي يوماً بعد يوم، وهيبتهم تُهدر تحت وطأة أعمال مليشيات “آل دقلو” الإرهابية التي تمارس القمع في قرى مثل “السريحة” و”أزرق”.
اليوم، وبعد رحيل الحكومة السابقة التي تحملت أعباء السنوات العجاف، ينتظر الأهالي بقلوبهم المكلومة حكومةً جديدة تعيد لهم الأمل، وتُحقق أحلامهم البسيطة في طريقٍ معبّد، ومستشفى مجهز، واقتصادٍ ينمو من أرضهم الخصبة.
*الجزيرة… تأمل أن يكون القادم أجمل.*
ونواصل،،،،

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى