المسيد نحو الفعل الإنتاجي .. عندما تصبح «الروعة» نموذجاً للنهضة الصناعية عاطف حسن يوسف

المسيد نحو الفعل الإنتاجي .. عندما تصبح «الروعة» نموذجاً للنهضة الصناعية
عاطف حسن يوسف
في إطار السعي الجاد لإعادة تنشيط الحركة الاقتصادية والتسويقية بمنطقة شمال الجزيرة عموما .. وسوق المسيد على وجه الخصوص .. تبرز اليوم ملامح حقيقية لنهضة إنتاجية يمكن التعويل عليها .. لا بوصفها شعارات عابرة .. بل باعتبارها مؤشرات فعلية على انتقال تدريجي من اقتصاد يقوم على الاستهلاك إلى اقتصاد قائم على القيمة المضافة والإنتاج المحلي ..
وفي هذا السياق .. بدأت تتشكل داخل المنطقة الصناعية بالمسيد تجارب إنتاجية وليدة تعكس تحولا عمليا في طبيعة النشاط الاقتصادي السائد .. وتؤكد إمكانية توطين الصناعة خارج المراكز التقليدية .. وهي تجارب لا تقاس أهميتها بحجمها الراهن .. بل بما تحمله من دلالات عميقة على مستوى الاتجاه والمسار ..
ومن بين هذه التجارب .. خرج إلى السوق المحلي مؤخرا منتج صناعي منظم تحت علامة تجارية حملت اسم الروعة .. بوصفه أحد أوائل المنتجات التي تم تصنيعها داخل المنطقة الصناعية بالمسيد وفق نهج إنتاجي واضح .. ويأتي ذكر هذه العلامة لا من باب الترويج أو الدعاية .. وإنما باعتبارها نموذجا تطبيقيا يوضح ما يمكن أن تنتجه البيئة الصناعية المحلية متى ما احسن استثمارها .. ومتى ما توفرت المبادرة والإرادة الجماعية ..
إن أهمية هذه الخطوة لا تكمن في المنتج ذاته .. بل في كونها كسرت حالة الجمود .. وقدمت مثالا عمليا على إمكانية الانتقال من التداول التجاري البحت إلى النشاط الصناعي التحويلي .. وهو تحول يطرح سؤالا اوسع حول طبيعة النشاط الاقتصادي في سوق المسيد .. الذي ظل .. شانه شان كثير من الأسواق المحلية .. يعتمد تاريخيا على التجارة والاستهلاك .. مع غياب نسبي للصناعات التحويلية .. رغم توفر المقومات البشرية والمكانية ..
وفي هذا المقام .. تجدر الإشارة إلى حقيقة بالغة الأهمية .. وهي أن سوق المسيد يضم منطقة صناعية تعد الأكبر من نوعها على مستوى شمال الجزيرة .. منطقة منظمة ومخططة وفق اسس فنية جيدة .. وببنية تقسيمية تؤهلها لاحتضان مختلف الأنشطة الإنتاجية والخدمية .. ورغم هذه المزايا .. ظلت المنطقة الصناعية لفترة طويلة مجمدة الحراك .. لأسباب متعددة حالت دون استثمارها بالصورة التي تستحقها ..
غير أن المؤشرات الراهنة تعكس تحولا لافتا في هذا الواقع .. إذ تشهد المنطقة الصناعية اليوم إقبالا متزايدا واهتماما غير عادي من قبل أصحاب المبادرات الإنتاجية .. في دلالة واضحة على تغير المزاج الاقتصادي المحلي .. والانتقال من مرحلة الانتظار إلى الفعل .. ومن الترقب إلى المبادرة ..
ومن منظور اقتصادي احترافي .. تمثل خطوط الإنتاج الصغيرة والمتوسطة ركيزة أساسية لأي عملية تنمية محلية مستدامة .. لما لها من اثر مباشر في
تحسين دخل الفرد
خلق فرص عمل مستقرة .. خاصة وسط الشباب
تنشيط سلاسل الإمداد والخدمات المصاحبة
تقليل الاعتماد على السلع المستوردة وتعزيز الإنتاج المحلي
كما أن الظرف الاقتصادي الراهن .. وما صاحبه من توقف أو غياب عدد كبير من خطوط الإنتاج التي كانت تعمل في العاصمة .. يفتح نافذة فرصة حقيقية لإعادة توزيع النشاط الصناعي جغرافيا .. بما يحقق قدرا من العدالة التنموية ويخفف الضغط عن المركز .. وهي فرصة لا ينبغي تفويتها .. بل استثمارها عبر تشجيع المبادرات المحلية .. وتوفير الحد الأدنى من البيئة الداعمة للإنتاج ..
إن تجربة المنطقة الصناعية بالمسيد .. وما تمثله نماذج إنتاجية مثل الروعة .. يمكن النظر إليها كنواة اولى قابلة للتوسع والتكرار .. متى ما ترسخت ثقافة الإنتاج بدلا من ثقافة الانتظار .. فالتنمية لا تستورد .. ولا تفرض من أعلى .. بل تبنى تدريجيا من القاعدة .. مشروعا بعد مشروع .. وخط إنتاج بعد آخر ..
ختاما .. فإن مثل هذه المبادرات لا تعني فقط إضافة منشاة صناعية أو منتج جديد إلى السوق .. بل تعني إعادة تعريف دور السوق والمجتمع المحلي في الدورة الاقتصادية .. من متلق إلى فاعل .. ومن مستهلك إلى منتج .. وهي رسالة واضحة بأن الأقاليم قادرة على النهوض متى ما اتيحت لها الفرصة .. ومتى ما امن أبناؤها بأن الاستثمار في المكان هو الاستثمار الأكثر استدامة.









