الأخبار

الصحافة الورقية.. عودة ممكنة من بوابة المصداقية والشراكة مع الرقمي

الصحافة الورقية.. عودة ممكنة من بوابة المصداقية والشراكة مع الرقمي

الخرطوم: الوسط

لم تغلق ثورة المعلومات الباب أمام الصحافة الورقية، كما لم يكن ظهور وسيلة إعلامية جديدة إيذاناً بنهاية أخرى. بهذه الرؤية انطلق المنتدى التشاوري الذي نظمته شركة الجاسر للطباعة والنشر وصحيفة «مصادر» لمناقشة مستقبل الصحافة الورقية، تحت عنوان «الصحافة الورقية.. العودة الممكنة»، بمشاركة عدد من الإعلاميين والمهتمين بصناعة الصحافة والنشر والتوزيع والإعلان.

وأكد الخبير الإعلامي د. إبراهيم الصديق أن الفرصة لا تزال قائمة أمام الصحافة الورقية لاستعادة حضورها، مشدداً على أن وسائل الإعلام لا تلغي بعضها بعضاً، وإنما تتطور وتتعايش وفقاً للتحولات التي يشهدها المجتمع.

واستشهد الصديق بأن ظهور التلفزيون لم يُنهِ الإذاعة، كما أن ظهور الصحافة لم يلغِ وسائل التعبير التي سبقته، معتبراً أن التحدي الحقيقي أمام الصحافة اليوم يتمثل في قدرتها على تطوير أدواتها والاستفادة من التقنيات الحديثة بدلاً من الدخول في مواجهة معها.

ودعا إلى إعادة النظر في وسائل وأدوات ومناهج العمل الصحفي، إلى جانب تطوير مناهج كليات الإعلام، بما يتناسب مع ما أحدثته الثورة الرقمية من تدفق هائل للمعلومات وتغيرات متسارعة في أنماط التلقي والمتابعة.

المصداقية.. الورقة الرابحة

وأشار د. إبراهيم الصديق إلى أن أكثر من 32 مليون مواطن في السودان يتعاملون مع الإنترنت، إلا أن الانتشار الواسع للوسائط الرقمية لا يعني انتهاء الحاجة إلى الصحيفة الورقية.

وقال إن عدداً من الدول العربية لا تزال تحافظ على إصداراتها الورقية، لافتاً إلى أن الصحافة المطبوعة تمتلك ميزة أساسية تتمثل في الاهتمام بالمصادر والتحقق من المعلومات، في وقت تنتشر فيه عبر الوسائط الرقمية أخبار ومعلومات كثيرة تفتقر إلى المصادر الموثوقة.

وأكد أن دعم الصحافة الورقية ليس مجرد مسألة مرتبطة بصناعة الطباعة والنشر، وإنما يرتبط، بحسب رأيه، بالحاجة إلى تدفق معلومات أكثر موثوقية، بما يعزز الاطمئنان والاستقرار داخل المجتمع.

واقترح إصدار صحف مسائية وأخرى متخصصة في التفسير والتحليل والتفاصيل، لتقديم محتوى يتجاوز الخبر العاجل الذي تقدمه المواقع والمنصات الإلكترونية، ويمنح القارئ مساحة أوسع للفهم والتحليل.

الذكاء الاصطناعي.. تحدٍ جديد

وفي حديثه عن مستقبل الصحافة، اعتبر الصديق أن الذكاء الاصطناعي يمثل واحداً من أبرز التحديات التي تواجه الصحافة الورقية، مشيراً إلى أنه أسهم في اختزال كثير من عمليات الإنتاج الصحفي، وذهب إلى حد وصفه بأنه «اختطف المجهود البشري وجرد الخبر من الأحاسيس».

لكنه في المقابل رأى أن وجود الصحف الورقية يمكن أن يشكل حضوراً مهماً في منظومة المعلومات، داعياً إلى تشجيع عودة المطابع، وبناء نموذج صحفي يجمع بين قوة الورق وسرعة الوسائط الرقمية، عبر ما سماه «الشراكات الذكية بين الورقي والرقمي».

العودة عبر الثورة الرقمية

من جانبه، قال أبو عبيدة عبدالله، في تعقيبه على ورقة د. إبراهيم الصديق، إن الورقة طرقت عدداً كبيراً من القضايا المرتبطة بمستقبل الصحافة، لافتاً إلى أن تراجع الصحافة الورقية لم يبدأ مع ثورة المعلومات، وإنما كانت هناك عوامل أخرى أسهمت في إضعافها قبل ظهور المنصات الرقمية.

ورأى أن عودة الصحف الورقية ممكنة من خلال استثمار الثورة المعلوماتية بدلاً من مقاومتها، وإقامة شراكات ذكية بين الصحافة التقليدية والوسائط الحديثة، مؤكداً أن الاهتمام بالمصادر والتحقق من المعلومات يمثلان إحدى أهم نقاط قوة الصحافة الورقية.

ذكريات التوزيع وعودة «الصحافة»

واستعاد صلاح حبيب، خلال المنتدى، ذكريات بدايات فترة الإنقاذ، مشيراً إلى أن توزيع الصحف كان جيداً في ذلك الوقت، وأن البيئة كانت مهيأة لازدهار الصحافة الورقية.

وانتقد حبيب ما وصفه بانتشار المعلومات المغلوطة في عدد من المواقع الإلكترونية الحالية، معتبراً أن ذلك يعيد إلى الصحافة المطبوعة جزءاً من أهميتها بوصفها مصدراً يمكن للقارئ الوثوق به، كما بشّر بقرب صدور صحيفة «الصحافة».

وفي ورقة تناولت قضية التوزيع، أكد عوض محمد علي الفكي أن السودان كان يتمتع بنسبة قراءة مرتفعة، مشيراً إلى أن بعض الصحف كانت تصدر ثلاث نسخ يومية في أوقات الأحداث المهمة، استجابة لحاجة القراء إلى متابعة التطورات أولاً بأول.

وطالب بإعفاء مدخلات الإنتاج الصحفي من الرسوم، بهدف خفض تكلفة الطباعة وإتاحة الفرصة أمام الصحف للعودة بصورة أكثر استدامة، مؤكداً أن مكان الصحيفة الورقية لا يزال موجوداً بين القراء، شريطة تطوير وسائل التوزيع واستحداث نقاط جديدة تصل إلى الجمهور.

الإعلان.. باب آخر للعودة

من جهته، تناول جمال كناني في ورقته الجانب الإعلاني، مؤكداً أن الصحف الورقية لا تزال تتمتع بميزات مهمة، من بينها المصداقية والقدرة على الوصول إلى مؤسسات الدولة وقطاع رجال الأعمال.

وأشار إلى أن عودة الصحف إلى الصدور يمكن أن تفتح الباب أمام عودة الإعلانات إليها، خاصة إذا نجحت في استعادة ثقة القراء والمعلنين وتقديم محتوى مهني قادر على المنافسة.

الورق لا يموت.. بل يتغير

وخلص المنتدى إلى أن مستقبل الصحافة الورقية لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره معركة بين الورق والرقمي، بقدر ما هو بحث عن صيغة جديدة للتكامل بينهما.

فالصحيفة التي عرفها القارئ بالأمس قد لا تعود بالشكل ذاته، لكنها تستطيع أن تستعيد مكانها من خلال تقديم ما لا توفره المنصات السريعة: المصدر الموثوق، والتحليل العميق، والتفسير، والتحقيق، والمساحة التي تمنح القارئ وقتاً لفهم الحدث لا مجرد معرفته.

وبين مطابع تبحث عن العودة، وقراء ينتظرون صحافة أكثر موثوقية، وإعلام رقمي يفرض إيقاعه السريع، تبدو عودة الصحافة الورقية ممكنة، إذا وجدت الدعم، وطورت أدواتها، وأدركت أن المستقبل ليس للورق وحده ولا للرقمي وحده، وإنما للصحافة القادرة على الجمع بين المصداقية والسرعة، وبين الخبر والإنسان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى